الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

58

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

النقصان ، فشبه ذلك الضبط بضبط الكاتب ما يريد إبلاغه بدون تغيير . وأوثر القسم بالقلم والكتابة للإيماء إلى أن باعث الطاعنين على الرسول صلى اللّه عليه وسلم واللّامزين له بالمجنون ، إنما هو ما أتاهم به من الكتاب . والمقسم عليه نفي أن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم مجنونا والخطاب له بهذا تسلية له لئلا يحزنه قول المشركين لمّا دعاهم إلى الإسلام : هو مجنون ، وذلك ما شافهوا به النبي صلى اللّه عليه وسلم وحكاه اللّه عنهم في آخر السورة [ القلم : 51 ] وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ . وهكذا كل ما ورد فيه نفي صفة الجنون عنه فإنما هو رد على أقوال المشركين كقوله : وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ [ التكوير : 22 ] . وقد زل فيه صاحب « الكشاف » زلة لا تليق بعلمه . والمقصود من نفي الجنون عنه إثبات ما قصد المشركون نفيه وهو أن يكون رسولا من اللّه لأنهم لما نفوا عنه صفة الرسالة وضعوا موضعها صفة الجنون ، فإذا نفي ما زعموه فقد ثبت ما ادعاه . وقد أجيب قولهم وتأكيدهم ذلك بحرف ( إن ) ولام الابتداء إذ قالوا إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [ القلم : 51 ] بمؤكدات أقوى مما في كلامهم إذ أقسم عليه وجيء بعد النفي بالباء التي تزاد بعد النفي لتأكيده ، وبالجملة الاسمية منفية لدلالة الجملة الاسمية على ثبات الخبر ، أي تحققه فهذه ثلاثة مؤكدات . وقوله : بِنِعْمَةِ رَبِّكَ جعله في « الكشاف » حالا من الضمير الذي في مجنون المنفي . والتقدير : انتفى وصف المجنون بنعمة ربك عليك ، والباء للملابسة أو السببية ، أي بسبب إنعام اللّه إذ برأك من النقائص . والذي أرى أن تكون جملة معترضة وأن الباء متعلقة بمحذوف يدل عليه المقام وتقديره : أن ذلك بنعمة ربك ، على نحو ما قيل في تعلق الباء في قوله : بِسْمِ اللَّهِ [ هود : 41 ] وهو الذي يقتضيه استعمالهم كقول الحماسي الفضل بن عباس اللهبي : كل له نية في بغض صاحبه * بنعمة اللّه نقليكم وتقلونا وذهب ابن الحاجب في « أماليه » أن بِنِعْمَةِ رَبِّكَ متعلق بما يتضمنه حرف ما النافية من معنى الفعل وقدّره : انتفى أن تكون مجنونا بنعمة ربك . ولا يصح تعلقه بقوله : ( مجنون ) إذ لو علق به لأوهم نفي جنون خاص وهو المجنون الذي يكون من نعمة اللّه